حسن الأمين
45
مستدركات أعيان الشيعة
وكان باريك بيك قد كتب إلى الميرزا مراد وعلاء الدولة يستمدهما العون والمدد ، وعند ما هرب إلى حلب التقى فيها الميرزا مراد ، فتوجها خائبين يائسين إلى دولة علاء الدولة فالتحقا فيها بقبيلة ذو القدر . وفي بغداد عندما عرف أهاليها وأعيانها بفرار الوالي بادروا إلى إخراج السيد محمد كمونة من البئر وكان حينها في منتهى الضعف والوهن فنصبوه واليا على بغداد . وفي يوم الجمعة خطب السيد كمونة وصلى ثم توجه بأكثر أهل بغداد لاستقبال بيك الذي بلغ حينئذ مشارف بغداد ، فرحب به الأخير وعامله باجلال وإكرام ثم بعث إلى الشاه إسماعيل بالخبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وعين خادم بيك - الذي كان يلقب حينئذ بلقب خليفة الخلفاء - حاكما على ولاية العراق . وكان خليفة الخلفاء خادم بيك أحد الأمراء العادلين والصوفيين الزاهدين ، فكان تعيينه في هذا المنصب مناسبا كل المناسبة . وواصل الموكب الملكي حركته صوب بغداد وحين اقترب منها أسرع لاستقباله السيد محمد كمونة وخادم بيك وعدد من أشراف العراق وأعيانه ، وخرج أهالي بغداد عن بكرة أبيهم لمشاهدة الموكب الملكي ، وكان هؤلاء يصطحبون معهم آلاف الأبقار فما كاد موكب الشاه إسماعيل يطل عليهم حتى ذبحوا أبقارهم . وقدم الشاه فتأثر بسلوك أهالي بغداد وابتهاجهم فشملهم بعطفه ووزع أموالا طائلة من الذهب والفضة على المحتاجين والفقراء من أهالي بغداد ، ثم نزل في بستان پير بوداغ في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من عام 914 ه ، واهتم بالسيد كمونة فكرمه وقربه إليه وأمر بنقر الطبول عند داره يوميا ، في الوقت الذي كان فيه نقر الطبول خاصا بالملوك والحكام . وأمضى الملك يومه الأول في بغداد محتفلا بالفتح المظفر ، وفي اليوم التالي شد الرحال إلى العتبات المقدسة في كربلاء ، فدخل روضة سيد الشهداء ( ع ) واشتغل بالدعاء والمناجاة ثم أنعم على الساكنين بجوار الروضة الحسينية بأنواع العطايا والهدايا ، وخص القبر الشريف بالتحف الثمينة وأمر باكسائه بطلاء من الذهب وتعليق اثني عشر قنديل من الذهب فوقه وفرش الحرم الشريف بسجاد من الحرير . وكان الشاه يشارك بنفسه في القيام بهذه الأعمال مثله في ذلك مثل الخدم والبوابين . وفي الليلة الأخيرة من إقامته في كربلاء اعتكف في الحرم حتى الصباح مشتغلا بالعبادة والدعاء ثم ارتحل إلى النجف عن طريق الحلة فلما لاحت لناظريه مشارف النجف الأشرف ترجل مسرعا إلى المرقد المقدس وتشرف بزيارته والدعاء تحت قبته ، ثم التفت إلى الخدم والسدنة فكرمهم وأجزل العطاء لهم ، وأنعم بالعطاء على جميع سكان مدينة النجف واعتكف ليلة في الحرم الشريف ثم عاد إلى الحلة فاشتكى إليه بعض أهلها من إزعاج بعض قبائل أعراب البادية لهم ولقوافلهم . فهجم عليهم ذات يوم وقتل جماعة منهم وصادر أموالهم فقسمها على جنده ، ثم توجه إلى بغداد ومنها إلى سامراء والكاظمية وأجزل العطاء لسكان هاتين المدينتين . ثم أمر خليفة الخلفاء خادم بيك بشق نهر من الفرات إلى النجف الأشرف ، والقيام باعمار المدن المقدسة . وعين السيد محمد كمونة سادنا لحرم أمير المؤمنين في النجف ونصبه حاكما على بعض مدن العراق . ثم توجه إلى ولاية خوزستان . فتح الحويزة : كانت بعض القبائل العربية تعيش في الحويزة التي تقع بين خوزستان والعراق ، وكان حكام هذه القبائل هم سلالة آل المشعشع . وكانت هذه القبائل على شيء من الغلو العقائدي ، فاستحدثت طقوس عبادية خاصة بها . وفي الوقت الذي أخذ فيه كوكب الشاه إسماعيل يظهر إلى الوجود ، كان السلطان محسن حاكما على الحويزة ، وحينما فرغ الشاه إسماعيل من فتح بغداد بلغه أن السلطان محسن مات وخلفه ابنه السلطان فياض وأن المشعشعين ارتدوا عن ديانتهم السابقة ، فصاروا يرون في السلطان فياض إلها لهم . ومن جانب آخر عادت رسل الشاه إلى حاكم الحويزة خالية الوفاض ، حيث رفض الأخير الدخول في طاعة الشاه إسماعيل والانضمام إلى الدولة الإيرانية ، ولم يكن الشاه يرضى ببقاء دولة مستقلة داخل الأراضي الإيرانية ومن ثم توجه إلى الحويزة لتاديب حاكمها . وفي نفس الوقت بلغ الشاه أن السلطان العثماني يراسل حاكم لرستان الملك رستم وأن رستم أظهر له المودة ، فأمر الشاه إسماعيل الأمير نجم الدين مسعود بالسير إلى لرستان برفقة بيرام بيك وحسين بيك على رأس قوة مؤلفة من عشرة آلاف فارس لتاديب الملك رستم وتوجه هو إلى آل المشعشع . وسمع السلطان فياض باقتراب قوات القزلباش من حدود ولايته فخرج لها بجيش من قبائل العرب وكان بينهم العديد من الماهرين في استخدام الأقواس والبارعين في القتال بالسيوف والرماح . واشتبك الجانبان فدارت بينهما معركة ضارية ، لم يستطع أي من الطرفين إحراز نصر فيها ، حتى إذا حان العصر شن القزلباش حملة مركزة قتلوا فيها السلطان فياض والعديد من أمراء المشعشعين ، فتشتتت صفوفهم وغنم القزلباش منهم [ أمولا ] أموالا وأشياء كثيرة .